ليست السياسة في المنظور الإسلامي مجرد فن لإدارة المصالح، أو وسيلة لتدبير شؤون الحكم، أو ساحة للتنافس على المواقع والنفوذ، بل هي مسؤولية أخلاقية وأمانة شرعية، تتصل بحقوق الناس وكرامتهم ومصالحهم، وتتحدد قيمتها بمدى التزامها بالعدل والأمانة والحكمة.
كما أن الفكر ليس مجرد مخزون من المعلومات، وإنما هو بصيرة تمكّن الإنسان من التمييز بين الحق والباطل، وفهم الواقع، وإدراك العواقب، واتخاذ المواقف على أساس من المعرفة والإنصاف.
ومن هنا تتجلى العلاقة العميقة بين سياسة الفكر وفكر السياسة؛ فالأولى تعني بناء العقول وتوجيهها نحو الوعي والبصيرة، وتحريرها من التبعية العمياء والانقياد وراء الأهواء، أما الثانية فتعني المنهج الذي تُدار به شؤون المجتمع، وتُصان من خلاله الحقوق، وتُرسم به الأولويات، وتُحقق في إطاره المصالح العامة، وإذا استنارت السياسة بهدي الفكر السليم، أصبحت وسيلة للإصلاح وخدمة الإنسان، أما إذا انفصلت عن القيم، فقدت بوصلتها الأخلاقية، وأصبح من السهل أن تطغى المصالح الضيقة على مقتضيات المسؤولية العامة.
لقد وضع الإسلام العدل في صميم الحياة الإنسانية، وجعله مبدأً ثابتًا لا يتبدل بتبدل المصالح والانتماءات، إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، وهذه الآية الكريمة تؤسس لقاعدة شاملة في تدبير شؤون الناس، قوامها أداء الأمانة وإقامة العدل، فلا تُقدَّم المصالح الشخصية على الحقوق العامة، ولا تُمنح الفرص على أساس الولاء وحده، ولا تُقاس قيمة القرارات بمدى إرضائها لفئة معينة، بل بقدر ما تحققه من إنصاف ومصلحة مشروعة، يزداد هذا المبدأ وضوحًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فإذا كان الإسلام ينهى الإنسان عن الظلم حتى في حال الخصومة، فإن مقتضى هذا التوجيه أن يلتزم الإنصاف كذلك في حال المحبة والولاء، فلا يبرر الخطأ لمجرد أن صاحبه قريب إلى نفسه، ولا يرفض الصواب لمجرد أن قائله يختلف معه في الرأي أو الانتماء، فالعدل في الإسلام ليس موقفًا انتقائيًا، وإنما قيمة تحكم الضمير والسلوك والموقف.
وفي هذا الإطار تكتسب المسؤولية السياسية معناها الحقيقي؛ فالمنصب ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف يستوجب الكفاءة والأمانة وحسن التدبير، وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه، فالمسؤولية، مهما اختلفت مواقعها ومستوياتها، تظل مرتبطة بالمحاسبة وأداء الحقوق، ولا تكتمل بمجرد تولي المنصب أو امتلاك القدرة على اتخاذ القرار، بل بما يتحقق من مصالح الناس، وما يُصان من كرامتهم، وما يُنجز من أعمال تعود بالنفع على المجتمع.
ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن تجتمع الكفاءة مع الأمانة، والعلم مع النزاهة، والقدرة على التخطيط مع الاستعداد لتحمل النتائج، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، فالكفاءة وحدها لا تكفي إذا غابت الأمانة، كما أن حسن النية لا يغني عن العلم والخبرة والقدرة على الإنجاز.
ومن هنا فإن الاختيار الرشيد، في مختلف مجالات المسؤولية العامة، ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية تجمع بين الاستحقاق والنزاهة، بعيدًا عن المحاباة والتعصب والولاءات الضيقة.
وإذا كانت الأمانة والعدل أساس السياسة الرشيدة، فإن الشورى تمثل أحد أهم السبل لتحقيقهما، فقد أثنى القرآن الكريم على المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، والشورى ليست إجراءً شكليًا، بل ثقافة تقوم على احترام العقل الإنساني، والإقرار بتعدد الخبرات، والاستفادة من الآراء المختلفة، ومراجعة القرارات في ضوء ما يظهر من أدلة ونتائج، وهي تعزز المشاركة في المسؤولية، وتحد من الانفراد بالرأي، وتتيح للمجتمع فرصًا أوسع لتصحيح الأخطاء وتطوير الأداء.
ومن تمام الشورى أن يُصغى إلى الرأي المخالف بإنصاف، وأن تُناقش الأفكار على أساس حججها، لا على أساس هوية أصحابها، فالحقيقة لا تصبح باطلة لأن من طرحها يختلف معنا، والرأي السديد لا يفقد قيمته بسبب صدوره عن شخص لا نتفق معه في كل شيء، فالمجتمع الذي يحترم العقل لا يخشى السؤال، ولا يعدّ النقد المسؤول انتقاصًا من مكانة أحد، بل ينظر إليه بوصفه وسيلة للمراجعة والتصحيح، وعاملًا من عوامل النضج المؤسسي والاجتماعي.
غير أن بناء سياسة رشيدة لا يكتمل من دون بناء وعي يحمي المجتمع من التبعية الفكرية والانقياد وراء الانطباعات والشائعات، فالوعي السياسي لا يعني مجرد متابعة الأحداث وترديد المواقف الشائعة، وإنما يعني القدرة على فهم الوقائع، وتمييز المعلومات الموثوقة من الأخبار المضللة، والتفريق بين الوعود والإنجازات، وبين المصالح العامة والمصالح الخاصة، وقد وجّه القرآن الكريم إلى التثبت في الأخبار، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6[.
إن التثبت ضرورة لحماية المجتمع من الأحكام المتسرعة، وصيانة الأعراض من الاتهامات، ومنع الشائعات من التحول إلى حقائق في الأذهان لمجرد تكرارها، كما أن الوعي يقتضي ألا يكون الانتماء بديلًا عن التفكير، وألا تتحول المحبة إلى مبرر لقبول كل قول، أو تتحول الخصومة إلى سبب لرفض كل رأي، وقد حذّر القرآن الكريم من اتباع الأكثرية دون بصيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]، وليس في ذلك انتقاص من قيمة الجماعة أو التشاور، وإنما تأكيد أن كثرة الأتباع وحدها لا تكفي لإثبات صحة الأفكار والمواقف، وأن الحقيقة تحتاج إلى دليل، والقرارات تحتاج إلى تمحيص، والآراء تحتاج إلى مراجعة.
ومن هنا تبرز أهمية تحصين المجتمع من كل ما يمكن أن يعطل ملكة التفكير أو يدفع الإنسان إلى ترديد ما يسمع من دون تحقق، فحين يصبح الولاء أهم من الحقيقة، ويتقدم الانفعال على الدليل، ويُقاس صواب الرأي بعدد من يصفقون له، تتراجع مساحة التفكير المستقل، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للانقسام وسوء التقدير، أما الوعي الحقيقي، فيقوم على التثبت والاعتدال، واحترام العقل، والاستعداد لمراجعة المواقف كلما ظهرت معلومات جديدة أو أدلة أقوى.
ولا يعني ذلك أن يتحول الإنسان إلى أسير للشك، أو أن ينظر إلى كل موقف بسوء ظن، بل أن يجمع بين حسن الظن والتثبت، وبين احترام الآخرين والاحتفاظ بقدرته على التمييز، كما ينبغي أن تقوم التربية على الوعي وعلى الحوار والتعليم وتيسير الوصول إلى المعرفة، لا على السخرية من محدودي الخبرة أو الانتقاص ممن حالت ظروفهم دون امتلاك أدوات كافية لفهم الأحداث، فالوعي مسؤولية مشتركة، وتطويره يحتاج إلى مؤسسات تعليمية وإعلامية وثقافية تعزز التفكير النقدي، وتحترم عقل الإنسان، وتساعده على اتخاذ مواقفه عن معرفة وبصيرة.
وتتجلى عدالة المنهج الإسلامي كذلك في حرصه على صيانة وحدة المجتمع من دون إلغاء تنوعه، فالمجتمع المتماسك ليس هو الذي تتطابق فيه جميع الآراء، وإنما الذي يستطيع أفراده الاختلاف مع الحفاظ على الاحترام المتبادل والحقوق المشتركة، والسياسة المنصفة هي التي لا تجعل الاختلاف سببًا للإقصاء، ولا تحول الانتماءات إلى معايير للتفاضل في الحقوق، بل تعمل على ترسيخ المواطنة المسؤولة، وتعزيز التعاون، وإدارة التباينات بالحكمة والعدل.
إن حفظ الوحدة لا يتحقق بإسكات الأصوات المختلفة، وإنما بإيجاد مساحة عادلة للحوار، والاحتكام إلى قواعد واضحة، وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة، كما أن احترام التنوع لا يعني التخلي عن الثوابت الأخلاقية، بل يعني الاتفاق على أن الكرامة الإنسانية والعدل وحفظ الحقوق قيم ينبغي أن تظل مصونة مهما اختلفت الآراء والاجتهادات.
وفي المحصلة، فإن العلاقة بين سياسة الفكر وفكر السياسة تكشف عن حقيقة جوهرية، وهي: لا يمكن بناء حياة عامة مستقرة وعادلة من دون وعي يحسن التمييز، ومسؤولية تحترم الأمانة، ومؤسسات تسترشد بالشورى، وثقافة تجعل العدل فوق الأهواء، فالفكر السليم لا يدفع إلى التبعية العمياء، كما أنه لا يقود إلى الخصومة الدائمة، بل ينشئ إنسانًا منصفًا، يحترم الدليل، ويقبل الصواب، ويرفض الظلم، ويعرف أن الاختلاف لا يسقط الحقوق ولا يبيح التجاوز.
إن السياسة التي تستلهم القيم الإسلامية تجعل خدمة الإنسان غاية، والعدل قاعدة، والشورى منهجًا، والأمانة معيارًا للمسؤولية، والوعي سبيلًا إلى الاختيار الرشيد، وهي تدرك أن قوة المجتمع لا تُقاس بمجرد كثرة أنصاره أو ارتفاع أصواته، بل بقدرته على صيانة الحقوق، وتحقيق المصالح المشروعة، وإدارة الاختلاف بالحكمة، وتوفير الفرص العادلة لأبنائه، هكذا، فإن إصلاح السياسة يبدأ بإصلاح الفكر، وإصلاح الفكر يبدأ بالتربية على الصدق والإنصاف والتثبت، حتى يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين الشعارات والحقائق، وبين الانتماء والتعصب، وبين الاختلاف والعداء، وحين يستنير الفكر بهدي الإسلام، وتُدار الشؤون العامة بروح الأمانة والعدل، تصبح السياسة مسؤولية تُؤدّى، لا غاية تُطلب؛ ويصبح الوعي أساسًا لصيانة إرادة المجتمع وكرامة الإنسان.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا البصيرة في الدين، والحكمة في الرأي، والإنصاف في الحكم، والصدق في القول والعمل، وأن يجعل العدل أساس تعاملنا، والأمانة عنوان مسؤوليتنا، وخدمة الناس سبيلًا إلى مرضاته.
-----------------------------------------------
بقلم: د. تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِالْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ
* أكاديمي عراقي - باحث ومؤلف في العقيدة والفكر الإسلامي، وأديب وروائي






